خليل الصفدي

258

الوافي بالوفيات ( دار صادر )

وتحير نجمه المتصيب ؛ وكيف هو مع جيشه الذي ما أطل حتى مدّ مضارب غمامه ، وظلّل الجو بمثل أجنحة الفواخت من أعلامه . هذا على أنه حلّ عرى الأبنية وحلّل مما تلف في دمه سالف الأستية ، فلقد جاء من البرد بما رضّ العظام وأنخرها ، ودقّ فخّارات الأجسام وفخّرها ، وجمد في الفم الريق ، وعقد اللسان إلا أنه لسان المنطيق ، ويبّس الأصابع حتى كادت أغصانها توقد حطبا ، وقيد الأرجل فلا تمشي إلّا تتوقع عطبا ، وأتى الزمهرير بجنود ما للقوي بها قبل ، وحمّل الأجسام من ثقل الثياب ما لا يعصم منه من قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ « 1 » . ومدّ من السيل ما استبكى العيون إذا جرى ، واجتحف ما أتى عليه وأول ما بدأ الدمع بالكرى . فكيف أنت يا سيدي في هذه الأحوال ؟ وكيف أنت في مقاساة هذه الأهوال ؟ وكيف ترأيت منها ما شيّب بثلجه نواصي الجبال ، وجاء بالبحر فتلقف ثعبانه ما ألقته هراوات البروق من عصيّ وخيوط السحب من حبال ؟ أمّا نحن فبين أمواج من السحب تزدحم ، وفي رأس جبل لا / يعصم فيه من الماء إلا من رحم ، وكيف سيدنا مع مجامر كانون وشرار برقها القادح ، وهمّ وقدها الفادح ، وقوس قزحها المتلون ردّ اللّه عليه صوائب سهامه ، وبدّل منه بوشائع حلل الربيع ونضارة أيامه ، وجعل حظّ مولانا من لوافحه ما يذكيه ذهنه من ضرامه ، ومن سوافحه ما يؤكده فكره من نوامه وعوضنا وإياه بالصيف واللّه يتقبل ، وأراحنا من هذا الشتاء ومشي غمامه المتبختر بكمّه المسبل . فكتبت إليه الجواب عن ذلك وهو : وينهي ورود هذه الرقعة التي هي طراز في حلة الدهر ، وحديقة ذكّرت بزمن الربيع وما تهديه أيامه من الزهر ، فوقف منها على الروض الذي تهدلت فروع غصونه بالأثمار ، ونظر منها إلى الأفق الذي كواكبه شموس وأقمار ، فأنشأت له أطرابه ، وأعلمته أن قلم مولانا يفعل بالألباب ما لا تفعله نغمة الشبّابة ، وأرشفته

--> ( 1 ) هود : 43 .